عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
184
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
فقد ذكر الواقدي « 1 » قال : « دخل عمرو بن العاص يوما على معاوية بعد ما كبر ودقّ ، ومعه مولاه وردان ، فأخذا في الحديث وليس عندهما غير وردان . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ! ما بقي مما تستلذه ؟ فقال : أما النساء فلا أرب لي فيهن ، وأما الثياب فقد لبست من لينّها وجيدها حتى وهي جلدي فما أدري أيّها ألين ، وأما الطعام فقد أكلت من ليّنه وطيبه حتى ما أدري أيه ألذ وأطيب . وأما الطيب فقد دخل خياشيمي منه حتى ما أدري أيه أطيب . فما شيء ألذ عندي من شراب بارد في يوم صائف ، ومن أن أنظر إلى بنيّ ، وبني بنيّ يدورون حولي « 2 » » . ومن أخبار معاوية التي تشير إلى تفننه في لذيذ المطعم والمشرب أنه « كان يخرج إلى مجلسه كل يوم فيأذن الخاصة فيحدثهم ويحدثونه ، ويدخل عليه وزراؤه فيكلمونه فيما يريدون من يومهم إلى العشي . ثم يؤتى بالغذاء الأصغر ، وهو فضلة عشائه من جدي بارد أو فرخ أو ما يشبهه ثم يتحدث طويلا . ثم يتقدم اليه الأعرابي والضعيف والصبي والمرأة ومن لا أحد له فيتعهدهم ويعطيهم ويقضي حوائجهم ، ثم يؤتى بالغداء ، ويحضر الكاتب فيقوم عند رأسه ويقدم الرجل ، فيقول له : اجلس على المائدة فيجلس فيما يمد يده ، فيأكل لقمتين أو ثلاثا والكاتب يقرأ كتابه فيأمره فيه ثم يصلي الظهر ، ثم يجلس فيأذن لخاصة الخاصة فإن كان الوقت وقت شتاء أتاهم بزاد الحاج من الأخبصة اليابسة والخشكنانج والأقراص المعجونة باللبن والسكر من دقيق السميد ، والكعك المنضد والفواكه اليابسة . وان كان وقت صيف أتاهم بالفواكه الرطبة . ويدخل اليه وزراؤه فيؤامرونه فيما احتاجوا اليه بقية يومهم ثم يصلي العصر ويدخل منزله ، فلا يطمع فيه طامع ، حتى ينادى بالمغرب ، فيصليه ثم يصلى العشاء دون أن يطمع فيه طامع حيث يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها . ثم تأتيه الطرف الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة ، ثم يدخل فينام « 3 » » . وقد كان معاوية ذواقا للطعام ، لا يأكله إلا بعد أن يتفحصه ويتأكد من سلامته
--> ( 1 ) الواقدي : محمد بن عمر مؤرخ فقيه ومفسر . ولد بالمدينة وأقام ببغداد ، له كتاب « فتوح الشام » وعنه أخذ المسعودي ، ت : سنة 522 ه - 822 م . ( 2 ) مروج الذهب : للمسعودي : ج 2 - ص 66 ، طبعة المطبعة البهية المصرية سنة 1346 ه . ( 3 ) مروج الذهب : للمسعودي : ج 2 - ص 71 - الطبعة السابقة نفسها .